سيد قطب

1961

في ظلال القرآن

ووردت في قول العزيز لامرأته : « يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك ؛ إنك كنت من الخاطئين » . . أما الإشارة الثانية الواضحة فقد جاءت على لسان امرأة العزيز التي يتجلى أنها آمنت بعقيدة يوسف وأسلمت في النهاية ، فيما حكاه عنها السياق القرآني : « قالت امرأة العزيز : الآن حصحص الحق ، أنا راودته عن نفسه ، وإنه لمن الصادقين ، ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ، وأن اللّه لا يهدي كيد الخائنين . وما أبرئ نفسي . إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ، إن ربي غفور رحيم » . . وإذا اتضح أن ديانة التوحيد - على هذا المستوي - كانت قد عرفت قبل تولي يوسف مقاليد الحكم في مصر ؛ فلا بد أن تكون قد انتشرت بعد ذلك واستقرت على نطاق واسع في أثناء توليه الحكم ، ثم من بعد ذلك في عهد أسر الرعاة . فلما استرد الفراعنة زمام الأمور في الأسرة الثامنة عشرة أخذوا يقاومون ديانة التوحيد ممثلة في ذرية يعقوب التي تكاثرت في مصر ، لإعادة الوثنية التي تقوم عليها الفرعونية ! . . . وهذا يكشف لنا سببا أصيلا من أسباب اضطهاد الفراعنة بعد ذلك لبني إسرائيل - أي يعقوب - إلى جانب السبب السياسي ، وهو أنهم جاءوا واستوطنوا وحكموا واستقروا في عهد ملوك الرعاة الوافدين . فلما طرد المصريون ملوك الرعاة طاردوا حلفاءهم من بني إسرائيل أيضا . . وإن كان اختلاف العقيدتين ينبغي أن يكون هو التفسير الأقوى لذلك الاضطهاد الفظيع . ذلك أن انتشار عقيدة التوحيد الصحيحة يحطم القاعدة التي يقوم عليها ملك الفراعين ! فهي العدو الأصيل للطواغيت وحكم الطواغيت وربوبية الطواغيت ! ولقد وردت إشارة إلى هذا الذي نقرره في حكاية القرآن الكريم لقول مؤمن آل فرعون في سورة غافر ؛ في دفاعه الإسلامي المجيد عن موسى عليه السلام ، في وجه فرعون وملئه عندما همّ فرعون بقتل موسى ، ليقتل معه الخطر الذي يتهدد ملكه كله من عقيدة التوحيد التي جاء بها موسى : « وقال فرعون : ذروني أقتل موسى وليدع ربه ، إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد . وقال موسى : إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب . وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه : أتقتلون رجلا أن يقول : ربي اللّه ؟ وقد جاءكم بالبينات من ربكم ، وإن يك كاذبا فعليه كذبه ، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ، إن اللّه لا يهدي من هو مسرف كذاب . يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض . فمن ينصرنا من بأس اللّه إن جاءنا ؟ قال فرعون : ما أريكم إلا ما أرى . وما أهديكم إلا سبيل الرشاد . وقال الذي آمن : يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب . مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، وما اللّه يريد ظلما للعباد ، ويا قوم إني أخاف علكيم يوم التناد . يوم تولون مدبرين ما لكم من اللّه من عاصم ، ومن يضلل اللّه فما له من هاد . . ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به ، حتى إذا هلك قلتم : لن يبعث اللّه من بعده رسولا ، كذلك يضل اللّه من هو مسرف مرتاب . الذين يجادلون في آيات اللّه بغير سلطان أتاهم . كبر مقتا عند اللّه وعند الذين آمنوا ! كذلك يطبع اللّه على كل قلب متكبر جبار . . . إلخ » . . فقد كان الصراع الحقيقي بين عقيدة التوحيد التي تفرد اللّه سبحانه بالربوبية ، فتفرده بالعبادة - أي بالدينونة والخضوع والاتباع لحاكميته وحده - وبين الفرعونية التي تقوم على أساس العقيدة الوثنية ، ولا تقوم إلا بها . ولعل التوحيد الناقص المشوه الذي عرف به « أخناتون » لم يكن إلا أثرا من الآثار المضطربة التي بقيت